فصل: الحديث الثَّالِث بعد الْخمسين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحَدِيث الثَّالِث بعد الْأَرْبَعين:

عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَرَأَ فِيهَا- يَعْنِي فِي صَلَاة الْجِنَازَة- بِأم الْقُرْآن».
هَذَا الحَدِيث تقدم قَرِيبا الْكَلَام عَلَيْهِ، ويغني فِي الدّلَالَة عَنهُ فَإِن الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهِ عَلَى وجوب قِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي صَلَاة الْجِنَازَة مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أَنه صَلَّى عَلَى جَنَازَة فَقَرَأَ بِفَاتِحَة الْكتاب، وَقَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّة». قَوْله: سنة هُوَ كَقَوْل الصَّحَابِيّ: «من السّنة كَذَا» وَهُوَ مَرْفُوع عَلَى الْأَصَح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ والمحدثين، وَنقل الْبَيْهَقِيّ الِاتِّفَاق عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة للبيهقي بِإِسْنَاد البُخَارِيّ: «وَقَالَ: إِنَّهَا من السّنة». وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي: «إِنَّهَا من السّنة، أَو من تَمام السّنة» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَفِي رِوَايَة للشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «يجْهر بِالْقِرَاءَةِ، وَقَالَ: إِنَّمَا جهرت لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سنة» إسنادها حسن. وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه: «فجهر بِالْحَمْد لله، وَقَالَ: إِنَّمَا جهرت لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سنة» يَعْنِي: لِتَعْلَمُوا أَن الْقِرَاءَة مَأْمُور بهَا. وَفِي رِوَايَة لَهُ وَلابْن حبَان: «فَقَالَ: إِنَّه حق وَسنة». قَالَ الْحَاكِم: إِسْنَاده صَحِيح، وَفِي رِوَايَة للنسائي وَالْبَيْهَقِيّ: «فَقَرَأَ بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة». قَالَ الْبَيْهَقِيّ: ذكر السُّورَة غير مَحْفُوظ. وَرَوَى هَذِه الرِّوَايَة أَيْضا أَبُو يعْلى فِي مُسْنده، وَقَالَ النَّوَوِيّ: إسنادها صَحِيح.

.الحديث الرَّابِع بعد الْأَرْبَعين:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَقد سلف بَيَانه مَرَّات.

.الحديث الخَامِس بعد الْأَرْبَعين:

رُوِيَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا صَلَاة لمن لم يصل عَلّي».
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي بَاب كَيْفيَّة الصَّلَاة، ويُغني عَنهُ فِي الدّلَالَة مَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه، وتلميذه الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن أبي أُمَامَة بن سهل بن حنيف أَنه أخبرهُ رجل من أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «أَن السّنة فِي الصَّلَاة عَلَى الْجِنَازَة أَن يكبر الإِمَام، ثمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، ويخلص الدُّعَاء فِي التَّكْبِيرَات الثَّلَاث، ثمَّ يسلم تَسْلِيمًا خفِيا، وَالسّنة أَن يفعل مَنْ وَرَاءه مثل مَا فعل إِمَامه». قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَلم يخرجَاهُ، وَلَيْسَ فِي التسليمة الْوَاحِدَة عَلَى الْجِنَازَة أصح مِنْهُ، ثمَّ ذكر لَهُ شَاهدا.

.الحديث السَّادِس بعد الْأَرْبَعين:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِذا صليتم عَلَى الْمَيِّت فأخلصوا لَهُ الدُّعَاء».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد، وَفِيه ابْن إِسْحَاق، وعنعنته، قَالَ النَّوَوِيّ فِي خلاصته: فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم، فَلَعَلَّهُ يكون ثَبت عِنْد أبي دَاوُد سَمَاعه مِنْهُ.
قلت: قد ثَبت بِحَمْد الله، وَصَححهُ ابْن حبَان أَيْضا؛ فَإِنَّهُ أخرجه فِي صَحِيحه أَولا بالعنعنة، ثمَّ قَالَ: ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن ابْن إِسْحَاق لم يسمع هَذَا الْخَبَر من مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم. ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم...
فَذكره، وَكَذَا أخرجه الْحَاكِم أَبُو أَحْمد أَيْضا.

.الحديث السَّابِع بعد الْأَرْبَعين:

عَن عَوْف بن مَالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «صَلَّى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى جَنَازَة، فَحفِظت من دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه، وعافه واعف عَنهُ، وَأكْرم نزله ووسع مدخله، واغسله بِالْمَاءِ والثلج وَالْبرد، ونقه من الْخَطَايَا كَمَا نقيت الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس، وأبدله دَارا خيرا من دَاره، وَأهلا خيرا من أَهله، وزوجًا خيرا من زوجه، وَأدْخلهُ الْجنَّة، وأعذه من عَذَاب الْقَبْر وَمن عَذَاب النَّار. حَتَّى تمنيت أَن أكون ذَلِك الْمَيِّت؛ لدعاء رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى ذَلِك الْمَيِّت».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم بِهَذِهِ الْحُرُوف، وَمِنْه نقلته، وَفِيه زِيَادَة عَلَى مَا فِي الْكتاب، فَإِنَّهُ أسقط مِنْهُ: «وَأدْخلهُ الْجنَّة» وَهِي ثَابِتَة فِي صَحِيح مُسلم كَمَا سُقْنَاهَا، وَزَاد مُسلم أَيْضا فِي رِوَايَة لَهُ: «وقِهِ فتْنَة الْقَبْر، وَعَذَاب الْقَبْر». والرافعي ذكر هَذِه الزِّيَادَة، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مُخْتَصرا «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى عَلَى ميت، ففهمت من صلَاته عَلَيْهِ السَّلَام: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه، واغسله بالبرد، واغسله كَمَا يغسل الثَّوْب».

.الحديث الثَّامِن بعد الْأَرْبَعين:

عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «صَلَّى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى جَنَازَة، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر لحينا وميتنا، وصغيرنا وَكَبِيرنَا، ذكرنَا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللَّهُمَّ من أحييته منا فأحيه عَلَى الْإِسْلَام، وَمن توفيته منا فتوفه عَلَى الْإِيمَان».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة من هَذَا الْوَجْه، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور هُوَ لفظ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، وَلَفظ أَحْمد: «كَانَ إِذا صَلَّى عَلَى جَنَازَة قَالَ...» فَذكره، وَلَفظ أبي دَاوُد كالأولين إِلَّا أَنه قَالَ: «من أحييته منا فأحيه عَلَى الْإِيمَان، وَمن توفيته منا فتوفه عَلَى الْإِسْلَام» عكس رِوَايَة الْجُمْهُور، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه زَاد أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي آخِره: «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أجره وَلَا تضلنا بعده» وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِلَفْظ التِّرْمِذِيّ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقد ذكره كَذَلِك الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي آخر اقتراحه. قَالَ الْحَاكِم: وَله شَاهد صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم... فَذكره بِإِسْنَادِهِ من رِوَايَة أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن قَالَ: «سَأَلت عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ: كَيفَ كَانَت صَلَاة رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى الْمَيِّت؟ قَالَت: كَانَ يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر لحينا وميتنا...» الحَدِيث كَمَا سلف.
قلت: وَشَاهد ثَان من حَدِيث أبي إِبْرَاهِيم الأشْهَلِي عَن أَبِيه مَرْفُوعا، رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي عمل يَوْم وَلَيْلَة وَلَفْظهمْ مثل رِوَايَة أبي هُرَيْرَة إِلَى قَوْله: و«أنثانا».
وَشَاهد ثَالِث من حَدِيث أبي قَتَادَة رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا كَمَا رَوَاهُ الْجُمْهُور عَن أبي هُرَيْرَة. وَشَاهد رَابِع من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَمِعت البُخَارِيّ يَقُول: أصح الرِّوَايَات فِي هَذَا حَدِيث أبي إِبْرَاهِيم الأشْهَلِي عَن أَبِيه قَالَ: وَسَأَلته عَن اسْم أبي إِبْرَاهِيم فَلم يعرفهُ. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: قَالَ أبي: أَبُو إِبْرَاهِيم وَأَبوهُ مَجْهُولَانِ. قَالَ: وقد توهم بعض النَّاس أَنه عبد الله بن أبي قَتَادَة، وَهُوَ غلط، فَإِن أَبَا قَتَادَة من بني سَلمَة، وَأَبُو إِبْرَاهِيم رجل من بني عبد الْأَشْهَل. قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقَالَ البُخَارِيّ: أصح حَدِيث فِي الْبَاب حَدِيث عَوْف بن مَالك... وَذكره مُخْتَصرا كَمَا تقدم، وَحَكَى الْبَيْهَقِيّ عَن التِّرْمِذِيّ عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَعَائِشَة وَأبي قَتَادَة فِي هَذَا الْبَاب غير مَحْفُوظ، وَأَصَح شَيْء فِيهِ حَدِيث عَوْف بن مَالك. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي جامعه فِي الْبَاب عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعَائِشَة وَأبي قَتَادَة وَجَابِر وعَوْف بن مَالك. قَالَ: وَحَدِيث وَالِد أبي إِبْرَاهِيم الأشْهَلِي حَدِيث حسن صَحِيح. قَالَ: وَرُوِيَ أَيْضا من رِوَايَة أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مُرْسلا. قَالَ: وَرَوَى عِكْرِمَة بن عمار عَن يَحْيَى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ: وَهَذَا حَدِيث غير مَحْفُوظ، وَعِكْرِمَة مِمَّن يهم فِي الحَدِيث وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَن حَدِيث يَحْيَى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة السَّابِق، فَقَالَ: هَذَا خطأ، الْحفاظ لَا يَقُولُونَ أَبُو هُرَيْرَة إِنَّمَا يَقُولُونَ «أَبُو سَلمَة أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم». وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: لَا يَقُول أَبُو هُرَيْرَة وَلَا يوصله عَن أبي هُرَيْرَة إِلَّا غير متقن وَالصَّحِيح أَنه مُرْسل.
فصل: وَأما الدُّعَاء الَّذِي ذكره الشَّافِعِي وَهُوَ: «اللَّهُمَّ إِن هَذَا عَبدك وَابْن عَبدك...» إِلَى آخِره فَلم أره مجموعًا فِي حَدِيث وَاحِد، وَإِنَّمَا التقطه من عدَّة أَحَادِيث، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: الشَّافِعِي أَخذ مَعَاني مَا جمع من الدُّعَاء.

.الحديث التَّاسِع بعد الْأَرْبَعين:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «مَا أدركتم فصلوا وَمَا فاتكم فاقضوا».
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي صَلَاة الْجَمَاعَة فَرَاجعه مِنْهُ ثمَّ.

.الحَدِيث الْخَمْسُونَ:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَة جمَاعَة».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح مَشْهُور متكرر فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، مِنْهَا صلَاته عَلَى النَّجَاشِيّ، كَمَا ستعلمه قَرِيبا، وَمِنْهَا صلَاته عَلَى من لَا دين عَلَيْهِ، كَمَا ستعرفه فِي مَوْضِعه، وَغير ذَلِك.

.الحديث الحَادِي بعد الْخمسين:

«أَن الصَّحَابَة- رضوَان الله عَلَيْهِم- صلوا عَلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فُرَادَى».
هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق:
إِحْدَاهَا: من رِوَايَة ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ: «لما صُلِي عَلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَدخل الرِّجَال فصلوا عَلَيْهِ بِغَيْر إِمَام أَرْسَالًا حَتَّى فرغوا، ثمَّ أَدخل النِّسَاء فصلين عَلَيْهِ، ثمَّ أَدخل الصّبيان فصلوا عَلَيْهِ، ثمَّ أَدخل العبيد فصلوا عَلَيْهِ أَرْسَالًا، لم يؤمهم عَلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أحد» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ كَذَلِك فِي سنَنه بِنَحْوِهِ من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق، حَدثنِي الْحُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ، وحسين هَذَا تَركه النَّسَائِيّ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه وَلَفظه: «فَلَمَّا فرغوا من جهازه يَوْم الثُّلَاثَاء وضع عَلَى سَرِيره فِي بَيته، ثمَّ دخل النَّاس عَلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرْسَالًا يصلونَ، حَتَّى إِذا فرغوا دخل النِّسَاء حَتَّى إِذا فرغوا أدخلُوا الصّبيان، وَلم يؤم النَّاس عَلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أحد...» ثمَّ سَاق بَقِيَّة الحَدِيث.
الطَّرِيق الثَّانِي: من رِوَايَة أبي عسيب «أَنه شهد الصَّلَاة عَلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالُوا: كَيفَ نصلي عَلَيْهِ؟ قَالَ: ادخُلُوا أَرْسَالًا. قَالَ: فَكَانُوا يدْخلُونَ من هَذَا الْبَاب فيصلون عَلَيْهِ، ثمَّ يخرجُون من الْبَاب الآخر. قَالَ: فَلَمَّا وضع فِي لحده قَالَ الْمُغيرَة: قد بَقِي من رجلَيْهِ شَيْء أصلحوه. قَالُوا: فَادْخُلْ فأصلحه. فَدخل وَأدْخل يَده فمس قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: أهيلوا عليَّ التُّرَاب. فأهالوا عَلَيْهِ حَتَّى بلغ أَنْصَاف سَاقيه، ثمَّ خرج، فَكَانَ يَقُول: أَنا أحدثكُم عهدا برَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم». رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده عَن بهز، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن أبي عمرَان الْجونِي، عَن أبي عسيب بِهِ.
الطَّرِيق الثَّالِث: من رِوَايَة جَابر بن عبد الله وَابْن عَبَّاس، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الْمُنعم بن إِدْرِيس، عَن أَبِيه، عَن وهب بن مُنَبّه عَنْهُمَا، فِي حَدِيث طَوِيل، وَفِيه: «فَقَالَ عَلّي: يَا رَسُول الله، إِذا أَنْت قبضت فَمن يغسلك، وفيم نكفنك، وَمن يُصَلِّي عَلَيْك، وَمن يدْخلك الْقَبْر؟ فَقَالَ: يَا عَلّي، أما الْغسْل فاغسلني أَنْت، وَالْفضل بن الْعَبَّاس يصب عَلَيْك المَاء، وَجِبْرِيل ثالثكما، فَإِذا أَنْتُم فَرَغْتُمْ من غسْلي فكفنوني فِي ثَلَاثَة أَثوَاب جدد، وَجِبْرِيل يأتيني بحنوط من الْجنَّة، فَإِذا أَنْتُم وضعتموني عَلَى السرير فضعوني فِي الْمَسْجِد واخرجوا عني، فَإِن أول من يُصَلِّي عليَّ الرب- عَزَّ وَجَلَّ- من فَوق عَرْشه، ثمَّ جِبْرِيل، ثمَّ مِيكَائِيل، ثمَّ إسْرَافيل، ثمَّ الْمَلَائِكَة زمرًا زمرًا، ثمَّ ادخُلُوا فَقومُوا صُفُوفا، لَا يتَقَدَّم عَلّي أحد». وَهُوَ حَدِيث طَوِيل فِي ثَلَاث أوراق، فِيهِ قصَّة عكاشة، لكنه ضَعِيف، ثمَّ عبد الْمُنعم مَتْرُوك، قَالَ أَحْمد: يكذب عَلَى وهب وَعَلَى غَيره، مَتْرُوك. ووالده ضعفه ابْن عدي، قَالَ ابْن دحْيَة فِي تنويره: حَكَى الْبَزَّار والطبري أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: «أول من يُصَلِّي عَلّي رب الْعِزَّة...» فِي حَدِيث طَوِيل، كرهت أَن أذكرهُ؛ لِأَن الْبَزَّار قَالَ فِي علله: إِنَّه مَوْضُوع. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الْأَزْدِيّ: فِي حَدِيث مَعْلُول «أَنهم صلوا بِصَلَاة جِبْرِيل، وَكَبرُوا بتكبيره». وَالصَّحِيح مَا تقدم أَنهم صلوا أفذاذًا وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا بتوقيف، وَقد رُوِيَ أَنه أَوْصَى بِهِ، ذكره الْبَزَّار والطبري وَغَيرهمَا، حَكَاهُ عَنْهُم ابْن دحْيَة فِي الْكتاب الْمَذْكُور، وَرَوَى الصَّلَاة عَلَيْهِ أفذاذًا مَالك فِي الْمُوَطَّأ بلاغًا، وَابْن عبد الْبر فِي آخر تمهيده، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث نُبَيْط بن شُرَيْط بن أنس الْأَشْجَعِيّ الصَّحَابِيّ، قَالَ ابْن عبد الْبر: وَصَلَاة النَّاس عَلَيْهِ أفذاذًا الْمُجْتَمع عَلَيْهِ عِنْد أهل السّير وَجَمَاعَة أهل النَّقْل لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. قَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه مرج الْبَحْرين: وَأَنا متعجب من قَوْله عَلَى اتساع علمه؛ فَإِن الْخلاف فِيهِ مَنْصُوص هَل كَانَت الصَّلَاة عَلَيْهِ كصلاتنا عَلَى أمواتنا أم لَا، فَقيل: دُعَاء فَقَط. وَقيل: صلوا الصَّلَاة الْمَعْهُودَة. حَكَى ابْن الْقصار الْقَوْلَيْنِ عَن أَصْحَاب مَالك، وَاخْتلف بعدُ هَل صلوا عَلَيْهِ أفذاذًا أم جمَاعَة، وَاخْتلف بعد فِيمَن أم بهم، فَقيل: أَبُو بكر. ذكره ابْن الْقصار، وَذَلِكَ بَاطِل بِيَقِين لضعف رُوَاته وانقطاعه، وَالصَّحِيح أَن الْمُسلمين صلوا عَلَيْهِ أفذاذًا لَا يؤمهم أحد، كلما جَاءَت طَائِفَة صلت عَلَيْهِ وَهُوَ حَدِيث مَحْفُوظ.
قلت: وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم فِي آخر وَفَاة رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم من حَدِيث سَلام بن سُلَيْمَان الْمَدَائِنِي، ثَنَا سَلام بن سُلَيْمَان الطَّوِيل، عَن عبد الْملك بن عبد الرَّحْمَن، عَن الْحسن العرني، عَن الْأَشْعَث بن طليق، عَن مرّة بن شرَاحِيل، عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: «لما ثقل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قُلْنَا: من يُصَلِّي عَلَيْك يَا رَسُول الله؟ فَبَكَى وبكينا، فَقَالَ: مهلا، غفر الله لكم، وجزاكم عَن نَبِيكُم خيرا، إِذا غسلتموني وكفنتموني وحنطتموني فضعوني عَلَى شَفير قَبْرِي، ثمَّ اخْرُجُوا عني سَاعَة، فَإِن أول من يُصَلِّي عَلّي خليلي وحبيبي جِبْرِيل، وَمِيكَائِيل، ثمَّ إسْرَافيل، ثمَّ ملك الْمَوْت مَعَ جنود الْمَلَائِكَة، ثمَّ ليبدأ بِالصَّلَاةِ رجال أهل بَيْتِي، ثمَّ نِسَاؤُهُم، ثمَّ ادخُلُوا أَفْوَاجًا وفرادى، وَلَا تؤذوني بباكية وَلَا برنة وَلَا بصيحة، وَمن كَانَ غَائِبا من أَصْحَابِي فأبلغوه مني السَّلَام، فَإِنِّي أشهدكم أَنِّي قد سلمت عَلَى من دخل فِي الْإِسْلَام، وَمن تابعني عَلَى ديني هَذَا مُنْذُ الْيَوْم إِلَى الْقِيَامَة». ثمَّ قَالَ الْحَاكِم: عبد الْملك مَجْهُول، لَا نعرفه بعدالة وَلَا جرح، وَالْبَاقُونَ كلهم ثِقَات.
قلت: عبد الْملك كذبه الفلاس، وَسَلام بن سُلَيْمَان الْمَدَائِنِي قَالَ ابْن عدي: عَامَّة مَا يرويهِ لَا يُتَابع عَلَيْهِ. وَسَلام بن سُلَيْمَان الطَّوِيل تَرَكُوهُ، والعرني لَيْسَ بِشَيْء كَمَا قَالَه الْأَزْدِيّ، فَأَيْنَ الثِّقَة فِي هَؤُلَاءِ؟!.
فَائِدَة: فِي السِّرّ فِي كَونهم صلوا عَلَيْهِ أفذاذا، قَالَ الشَّافِعِي- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وَذَلِكَ لعظم رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِأبي هُوَ وَأمي، وتنافسهم فِي أَن لَا يتَوَلَّى الْإِمَامَة فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ وَاحِد. قَالَ ابْن دحْيَة: وَكَانَ المصلون عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ ألفا. كَذَا قَالَ.

.الحديث الثَّانِي بعد الْخمسين:

رُوِيَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «صلوا عَلَى من قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله».
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي صَلَاة الْجَمَاعَة وَاضحا، والرافعي ذكره دَلِيلا للقائل بِسُقُوط الْفَرْضِيَّة عِنْد صَلَاة ثَلَاثَة، فَقَالَ: وَاحْتج لَهُ... فَذكر الحَدِيث، خَاطب بِهِ الْجمع وَأقله ثَلَاثَة، وَلَو احْتج لهَذَا الْقَائِل بالأحاديث الصَّحِيحَة، كَقَوْلِه لأَصْحَاب الْمَيِّت الَّذِي عَلَيْهِ الدَّين: «صلوا عَلَى صَاحبكُم» وَغَيره من الْأَحَادِيث لأفاد هَذَا الْغَرَض.

.الحديث الثَّالِث بعد الْخمسين:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبر بِمَوْت النَّجَاشِيّ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخرج بهم إِلَى الْمُصَلى، فَصف بهم، وَكبر أَرْبعا».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَله طرق:
أَحدهَا: من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم نَعَى النَّجَاشِيّ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخرج بهم إِلَى الْمُصَلى، فَصف بهم، وَكبر أَربع تَكْبِيرَات» مُتَّفق عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة لَهما: «فَقَالُوا: اسْتَغْفرُوا لأخيكم».
ثَانِيهَا: من رِوَايَة جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيّ، فَكبر أَرْبعا». مُتَّفق عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: «فَكنت فِي الصَّفّ الثَّانِي أَو الثَّالِث». وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «فصففنا صفّين». وَفِي رِوَايَة لَهُ: «صَلَّى عَلَى أَصْحَمَة النَّجَاشِيّ».
ثَالِثهَا: من رِوَايَة عمرَان بن الْحصين رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «إِن أَخا لكم قد مَاتَ فَقومُوا فصلوا عَلَيْهِ. يَعْنِي: النَّجَاشِيّ» رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: «إِن أَخَاكُم».
وَمن الْأَحَادِيث الضعيفة: رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث كثير بن عبد الله الْمُزنِيّ، عَن أَبِيه، عَن جده «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كبر عَلَى النَّجَاشِيّ خمْسا». وَقد ذكرت فِي شرحي للعمدة فَوَائِد تتَعَلَّق بِلَفْظ النَّجَاشِيّ واسْمه وَغير ذَلِك؛ فَرَاجعهَا مِنْهُ؛ فَإِنَّهَا لَا تُوجد مَجْمُوعَة كَذَلِك فِي غَيره. وَذكر الرَّافِعِيّ أَنه كَانَ بَين النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالنَّجَاشِي مسيرَة شهر، وَكَانَت وَفَاته فِي رَجَب سنة تسع من الْهِجْرَة.

.الحديث الرَّابِع بعد الْخمسين:

عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مر بِقَبْر دفن لَيْلًا، فَقَالَ: مَتى دفن هَذَا؟ قَالُوا: البارحة. قَالَ: أَفلا آذنتموني؟ قَالُوا: دفناه فِي ظلمَة اللَّيْل؛ وكرهنا أَن نوقظك. فَقَامَ فصفنا خَلفه قَالَ ابْن عَبَّاس: وَأَنا فيهم، فَصَلى عَلَيْهِ».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَلَفظ البُخَارِيّ: «مَاتَ إِنْسَان كَانَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يعودهُ، فَمَاتَ بِاللَّيْلِ فدفنوه لَيْلًا، فَلَمَّا أصبح أَخْبرُوهُ، فَقَالَ: مَا منعكم أَن تعلموني؟ قَالُوا: كَانَ اللَّيْل فكرهنا- وَكَانَت ظلمَة- أَن نشق عَلَيْك. فَأَتَى قَبره فَصَلى عَلَيْهِ» وَفِي لفظ آخر: «فصففنا خَلفه. قَالَ ابْن عَبَّاس: وَأَنا فيهم». وَلَفظ مُسلم مُخْتَصرا «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى عَلَى قبر بَعْدَمَا دفن، وَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا».

.الحديث الخَامِس بعد الْخمسين:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَّى عَلَى قبر الْبَراء بن معْرور بعد شهر».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي مُحَمَّد بن معبد بن أبي قَتَادَة «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَّى عَلَى قبر الْبَراء بن معْرور بعد مَوته بِسنة» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: كَذَا وجدته فِي كتابي، وَالصَّوَاب: «بعد شهر» قَالَ: وَهَذَا مُرْسل. قَالَ: قد رُوِيَ عَن يَحْيَى بن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه مَوْصُولا دون التَّأْقِيت. ثمَّ رَوَى من حَدِيث ابْن عَبَّاس «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى عَلَى قبر بعد شهر» ثمَّ نقل عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ: تفرد بِهِ بشر بن آدم، وَخَالفهُ غَيره أَن نقل: «بَعْدَمَا دفن»، وَقيل: «بعد لَيْلَتَيْنِ» وَقيل: «بِثَلَاث».
فَائِدَة:
معْرور: بِعَين وَرَاء مهملات، يُقَال: عيره بشر، أَي: لعِلَّة، فَهُوَ معرو، وَمِنْه: قَوْله تَعَالَى: {فتصيبكم مِنْهُم معرة بِغَيْر علم} قَالَ الرَّافِعِيّ: وَلم تنقل الزِّيَادَة عَلَيْهِ.
قلت: بلَى، وَقد سلف أَنه رُوِيَ: «بعد سنة»، وَإِن كَانَ الصَّوَاب خِلَافه، وَفِي التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سعيد بن الْمسيب «أَن أم سعد مَاتَت وَالنَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم غَائِب، فَلَمَّا قدم صَلَّى عَلَيْهَا وَقد مَضَى لذَلِك شهر» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا وَلَفظه «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى عَلَيْهَا بعد مَوتهَا بِشَهْر» ثمَّ قَالَ: وَهُوَ مُرْسل صَحِيح.

.الحديث السَّادِس بعد الْخمسين:

قَالَ الرَّافِعِيّ فِي تَوْجِيه عدم الصَّلَاة عَلَى قبر النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الْخَبَر أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «أَنا أكْرم عَلَى رَبِّي من أَن يتركني فِي قَبْرِي بعد ثَلَاث».
هَذَا الحَدِيث تبع الرَّافِعِيّ فِي إِيرَاده الإِمَام؛ فَإِنَّهُ أوردهُ كَذَلِك فِي نهايته، ثمَّ قَالَ بعد: وَرُوِيَ «أَكثر من يَوْمَيْنِ» وَلَا أعلم من خرجه بعد الْبَحْث الشَّديد عَنهُ، وَذكره بعض من أدركناه مِمَّن صنف فِي حَيَاة الْأَنْبِيَاء- عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام- فِي قُبُورهم فَلم يعزه، وَفِي كتاب حَيَاة الْأَنْبِيَاء فِي قُبُورهم بعد مَوْتهمْ لِلْحَافِظِ أبي بكر الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي الرّبيع الزهْرَانِي، نَا إِسْمَاعِيل بن طَلْحَة بن يزِيد، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَن ثَابت عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «الْأَنْبِيَاء لَا يتركون فِي قُبُورهم بعد أَرْبَعِينَ لَيْلَة، وَلَكنهُمْ يصلونَ بَين يَدي الله- تَعَالَى- حَتَّى ينْفخ فِي الصُّور». قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِن صَحَّ بِهَذَا اللَّفْظ فَالْمُرَاد بِهِ- وَالله أعلم-: لَا يتركون لَا يصلونَ إِلَّا هَذَا الْمِقْدَار، ثمَّ يكونُونَ مصلين فِيمَا بَين يَدي الله تَعَالَى. كَمَا أَنا... وسَاق بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث الْحسن بن قُتَيْبَة الْمَدَائِنِي، ثمَّ حَدثنَا المستلم بن سعيد الثَّقَفِيّ، عَن الْحجَّاج بن الْأسود، عَن ثَابت الْبنانِيّ، عَن أنس أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «الْأَنْبِيَاء أَحيَاء فِي قُبُورهم يصلونَ». قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَا يعد فِي أَفْرَاد الْحسن بن قُتَيْبَة الْمَدَائِنِي.
قلت: ضَعَّفُوهُ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مَتْرُوك. وَقَالَ ابْن عدي: أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ. وَأما ابْن السكن فَذكر الحَدِيث من وَجْهَيْن فِي سنَنه الصِّحَاح قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رُوِيَ من حَدِيث يَحْيَى بن أبي بكير، عَن المستلم بن سعيد بِهِ، قَالَ أَعنِي الْبَيْهَقِيّ فِي غير هَذَا الْكتاب: وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح. وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ لِأَن رِجَاله كلهم ثِقَات، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رُوِيَ من وَجه آخر عَن أنس مَوْقُوفا: «الْأَنْبِيَاء أَحيَاء فِي قُبُورهم يصلونَ». ثمَّ أسْندهُ من حَدِيث مُؤَمل، نَا عبيد الله بن أبي حميد الْهُذلِيّ، عَن أبي الْمليح، عَن أنس بِهِ. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ رفع أَجْسَادهم مَعَ أَرْوَاحهم؛ فقد رَوَى سُفْيَان الثَّوْريّ فِي جَامعه فَقَالَ: قَالَ شيخ لنا عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: «مَا مكث نَبِي فِي قَبره أَكثر من أَرْبَعِينَ ليلةٍ حَتَّى يُرْفع».
قلت: وَهَذَا مَشْهُور عَن ابْن الْمسيب، وَقد اشْتهر أَن جِدَار قبر النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم انْهَدم أَيَّام خلَافَة الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَولَايَة عمر بن عبد الْعَزِيز عَلَى الْمَدِينَة، بَدَت لَهُم قدم فخافوا أَن تكون قدم رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، وهالهم أمرهَا وجزعوا، حَتَّى رَوَى لَهُم سعيد بن الْمسيب «أَن جثث الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم لَا تقيم أَكثر من أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي الأَرْض، ثمَّ ترفع». وَجَاء سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب فَعرف أَنَّهَا قدم جده عمر. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: فعلَى هَذَا يصيرون كَسَائِر الْأَحْيَاء، تكون حَيْثُ ينزلهم الله- تَعَالَى- لما روينَا فِي حَدِيث الْمِعْرَاج وَغَيره: «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَائِما يُصَلِّي فِي قَبره، ثمَّ رَآهُ مَعَ سَائِر الْأَنْبِيَاء فِي بَيت الْمُقَدّس، ثمَّ رَآهُمْ فِي السَّمَاوَات» وَالله- تَعَالَى- فعال لما يُرِيد.
قلت: وَفِي الموضوعات لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ من حَدِيث أنس رَفعه: «مَا من نَبِي يَمُوت فيقيم فِي قَبره إِلَّا أَرْبَعِينَ صباحًا، حَتَّى يرد الله إِلَيْهِ روحه». ثمَّ قَالَ: قَالَ ابْن حبَان: هَذَا حَدِيث بَاطِل مَوْضُوع. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: ولحياة الْأَنْبِيَاء فِي قُبُورهم بعد مَوْتهمْ شَوَاهِد من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. ثمَّ ذكر حَدِيث أنس الثَّابِت فِي صَحِيح مُسلم: «أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ لَيْلَة أسرِي بِهِ مر عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبره». وَفِي لفظ: «مَرَرْت عَلَى مُوسَى وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِي قَبره». وَفِي لفظ: «أتيت عَلَى مُوسَى لَيْلَة أسرِي بِي عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر». وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة الثَّابِت فِيهِ أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «لقد رَأَيْتنِي فِي الْحجر وَأَنا أخبر قُريْشًا عَن مسراي، فسألوني عَن أَشْيَاء من بَيت الْمُقَدّس لم أثبتها، فكربت كربًا لم أكرب مثله قطّ، فرفعه الله لي أنظر إِلَيْهِ؛ فَمَا سَأَلُونِي عَن شَيْء إِلَّا أنبأتهم بِهِ، وَلَقَد رَأَيْتنِي فِي جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء، فَإِذا مُوسَى قَائِم يُصَلِّي، وَإِذا رجل ضرب جعد كَأَنَّهُ من رجال شنُوءَة، وَإِذا عِيسَى ابْن مَرْيَم قَائِم يُصَلِّي، أقرب النَّاس مِنْهُ شبها عُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ، وَإِذا إِبْرَاهِيم قَائِم يُصَلِّي، أشبه النَّاس بِهِ صَاحبكُم- يَعْنِي: نَفسه- فحانت الصَّلَاة، فأممتهم، فَلَمَّا فرغت من الصَّلَاة قَالَ قَائِل: يَا مُحَمَّد، هَذَا مالكٌ صَاحب النَّار يسلم عَلَيْك، فَالْتَفت إِلَيْهِ فبدأني بِالسَّلَامِ». قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَفِي حَدِيث ابْن الْمسيب «أَنه لَقِيَهُمْ فِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس». وَفِي حَدِيث أبي ذَر وَمَالك بن صعصعة فِي قصَّة الْمِعْرَاج «أَنه لَقِيَهُمْ فِي جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء فِي السَّمَوَات، وكلمهم وكلموه». وكل ذَلِك صَحِيح، لَا يُخَالف بعضه بَعْضًا، فقد يرَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَائِما يُصَلِّي فِي قَبره، ثمَّ يُسرى بمُوسَى وَغَيره إِلَى بَيت الْمُقَدّس كَمَا أسرِي بنبينا، فَرَآهُمْ فِيهِ، ثمَّ يعرج بهم إِلَى السَّمَوَات كَمَا عرج بنبينا فَرَآهُمْ فِيهَا،، كَمَا أخبر بحلولهم فِي أَوْقَات، بمواضع مختلفات، جَائِز فِي الْعقل، كَمَا ورد بِهِ الْخَبَر الصَّادِق، وَفِي كل ذَلِك دلَالَة عَلَى حياتهم. قَالَ: وَمِمَّا يدل عَلَى ذَلِك حَدِيث أَوْس بن أَوْس قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «أفضل أيامكم يَوْم الْجُمُعَة؛ فِيهِ خُلق آدم، وَفِيه قبض، وَفِيه النفخة، وَفِيه الصعقة، فَأَكْثرُوا عَلّي من الصَّلَاة فِيهِ، فَإِن صَلَاتكُمْ معروضة عَلّي قَالُوا: وَكَيف تعرض صَلَاتنَا عَلَيْك وَقد أرمت- يَقُولُونَ: بليت-؟ قَالَ: فَإِن الله- عَزَّ وَجَلَّ- حرم عَلَى الأَرْض أَن تَأْكُل أجساد الْأَنْبِيَاء». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه قَالَ: وَله شَوَاهِد، مِنْهَا: حَدِيث أبي مَسْعُود الْأنْصَارِيّ عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: «أَكْثرُوا الصَّلَاة عَلّي فِي يَوْم الْجُمُعَة، فَإِنَّهُ لَيْسَ يُصَلِّي عَلّي أحد يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا عرضت عَلّي صلَاته». وَحَدِيث أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا: «أَكْثرُوا الصَّلَاة عليَّ يَوْم الْجُمُعَة، فَإِنَّهُ مشهود، تشهده الْمَلَائِكَة، وَإِن أحدا لن يُصَلِّي عَلّي إِلَّا عرضت عَلّي صلَاته حَتَّى يفرغ مِنْهَا. قَالَ: قلت: بعد الْمَوْت؟ قَالَ: إِن الله- عَزَّ وَجَلَّ- حرم عَلَى الأَرْض أكل أجساد الْأَنْبِيَاء- عَلَيْهِم السَّلَام- فَإِن نَبِي الله حَيّ يرْزق». رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث زيد بن أَيمن، عَن عبَادَة بن نسي، عَن أبي الدَّرْدَاء، وَإِسْنَاده حسن، إِلَّا أَنه غير مُتَّصِل، قَالَ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه: زيد عَن عبَادَة مُرْسل. وَحَدِيث أبي أُمَامَة مَرْفُوعا: «أَكْثرُوا عَلَى من الصَّلَاة فِي كل يَوْم جُمُعَة؛ فَإِن صَلَاة أمتِي تعرض عَلّي فِي كل يَوْم جُمُعَة، من كَانَ أَكْثَرهم عَلّي صَلَاة كَانَ أقربهم مني منزلَة يَوْم الْقِيَامَة». وَحَدِيث أنس بن مَالك مَرْفُوعا: «إِن أقربكم مني يَوْم الْقِيَامَة فِي كل موطن أَكْثَرَكُم صَلَاة عَلّي فِي الدُّنْيَا، من صَلَّى عَلّي فِي لَيْلَة الْجُمُعَة وَيَوْم الْجُمُعَة قَضَى الله لَهُ مائَة حَاجَة؛ سبعين من حوائج الدُّنْيَا، وَثَلَاثِينَ من حوائج الْآخِرَة، ثمَّ يُوكل الله بذلك ملكا يدْخلهُ فِي قَبْرِي كَمَا تدخل عَلَيْكُم الْهَدَايَا، يُخْبِرنِي من صَلَّى عَلّي باسمه وَنسبه إِلَى عشيرته، فأثبته عِنْدِي فِي صحيفَة بَيْضَاء». وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ قبورًا وَلَا تجْعَلُوا قَبْرِي عيدًا، وصلوا عَلّي فَإِن صَلَاتكُمْ تبلغني حَيْثُ كُنْتُم» وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا مَرْفُوعا «مَا من أحد يسلم عَلّي إِلَّا رد الله إِلَيّ روحي حَتَّى أرد عَلَيْهِ السَّلَام».
قلت: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد جيد، وَالْمرَاد بِالروحِ هُنَا النُّطْق مجَازًا، فَتنبه لَهُ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَفِي هَذَا الْمَعْنى حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود مَرْفُوعا: «إِن لله- تَعَالَى- مَلَائِكَة سياحين فِي الأَرْض، يبلغوني عَن أمتِي السَّلَام». وحَدِيث ابْن عَبَّاس «لَيْسَ أحد من أمة مُحَمَّد يُصَلِّي عَلَيْهِ صَلَاة إِلَّا وَهِي تبلغه، يَقُول: فلَان يُصَلِّي عَلَيْك كَذَا وَكَذَا صَلَاة». وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من صَلَّى عَلّي عِنْد قَبْرِي سمعته، وَمن صلي عَلّي نَائِيا بلغته». فِي إِسْنَاد هَذَا نظر، ومَضَى مَا يؤكده، ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى سُلَيْمَان بن عُثْمَان قَالَ: «رَأَيْت النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النّوم، فَقلت: يَا رَسُول الله، هَؤُلَاءِ الَّذين يأتونك فيسلمون عَلَيْك؛ أتفقه سلامهم؟ قَالَ: نعم، وأرد عَلَيْهِم». قَالَ: وَمِمَّا يدل عَلَى حياتهم مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة «فِي الرجلَيْن اللَّذين اسْتَبَّا، حِين قَالَ الْمُسلم: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالمين. واليهودي الَّذِي قَالَ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالمين. وصكه الْمُسلم، قَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تخيروني عَلَى مُوسَى؛ فَإِن النَّاس يصعقون، فَأَكُون أول من يفِيق، فَإِذا مُوسَى باطش بِجَانِب الْعَرْش، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مِمَّن صُعق فأفاق من قبلي، أم كَانَ مِمَّن اسْتثْنى الله- عَزَّ وَجَلَّ-». وَحَدِيث الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا تفضلوا بَين أَنْبيَاء الله- تَعَالَى- فَإِنَّهُ ينْفخ فِي الصُّور فيصعق من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض إِلَّا من شَاءَ الله، ثمَّ ينْفخ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُون أول من بعث، فَإِذا مُوسَى آخذ بالعرش، لَا أَدْرِي أحوسب بصعقته يَوْم الطّور، أم بعث قبلي». فَهَذَا إِنَّمَا يَصح عَلَى أَن الله- تَعَالَى، جلّ ثَنَاؤُهُ- رد إِلَى الْأَنْبِيَاء أَرْوَاحهم، وهم أَحيَاء عِنْد رَبهم كالشهداء، فَإِذا نفخ فِي الصُّور النفخة الأولَى صعقوا فِيمَن صعق، وَلَا يكون ذَلِك موتا فِي جَمِيع مَعَانِيه إِلَّا فِي ذهَاب الِاسْتِثْنَاء، فَإِن كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِيمَن اسْتثْنى الله- تَعَالَى- بقوله: إِلَّا من شَاءَ الله فَإِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يذهب اسْتِثْنَاؤُهُ فِي تِلْكَ الْحَالة وَيُحَاسب بصعقة يَوْم الطّور. وَيُقَال: إِن الشُّهَدَاء مِمَّن اسْتثْنى الله- عَزَّ وَجَلَّ- بقوله: إِلَّا مَنْ شَاءَ الله وروينا فِيهِ خَبرا مَرْفُوعا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي كِتَابه دَلَائِل النُّبُوَّة: الْأَنْبِيَاء أَحيَاء عِنْد رَبهم كالشهداء. وَقَالَ فِي كتاب الِاعْتِقَاد: والأنبياء بَعْدَمَا قبضوا ردَّتْ إِلَيْهِم أَرْوَاحهم، فهم أَحيَاء عِنْد رَبهم كالشهداء.
قلت: وَقد أطلنا فِي هَذَا الْموضع لكَونه من الْمَوَاضِع المهمة، فَلَا تسأم من طوله، ثمَّ رَأَيْت بعد ذَلِك أمرا غَرِيبا فِي كَلَام الْغَزالِيّ فِي كتاب كشف عُلُوم الْآخِرَة فَإِنَّهُ ذكر الحَدِيث الَّذِي أوردهُ الرَّافِعِيّ بِلَفْظ: قَالَ: «إِنِّي أكْرم عِنْد الله من أَن يدعني فِي الأَرْض أَكثر من ثَلَاث». ثمَّ قَالَ: وَكَأن الثَّلَاث عشرات، لِأَن الْحُسَيْن قتل عَلَى رَأس السِّتين، فَغَضب عَلَى أهل الأَرْض، وعرج بِهِ إِلَى أهل السَّمَاء. هَذَا لَفظه، وَهُوَ عَجِيب غَرِيب؛ ذكرته ليعرف.